هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد

المقال الثالث – الحوش

 

استكمالًا لما بدأته في المقالين السابقين حول الهوية من منظور معماري وعمراني، حيث تناولت بالتفصيل في المقال السابق أحد الأنساق التقليدية التي قمنا ببحثها وتطويرها وتطبيقها في أحد مشروعاتنا، وهو الروشان”، وأوضحت وجهة نظري في ارتباطه الوثيق بهوية المكان، ليس بوصفه عنصرًا بصريًا فحسب، بل كنسق معماري يستجيب لمجموعة من الثوابت المرتبطة بالمناخ والثقافة والاقتصاد والعادات الاجتماعية للمجتمع الذي يحتضن المشروع.

فاليوم سوف أتناول نسقاً آخر قصدت أن يكون نسقاً عمرانياً وليس معمارياً، كي أؤكد على أن الهوية لا ترتبط حصراً بالمفردات البصرية أو الأنساق المعمارية، فهي ليست مجرد “عقد” أو “مشربية” أو “قبة” أو “شابورة”…إلخ، حتى ولو كانت لتلك المفردات البصرية أهميتها النسبية كما ذكرت سابقاً، لكن الهوية لها تأثيرات وانعكاسات أعمق من ذلك وترتبط مباشرة بحياة الناس وتتأثر بها وتؤثر عليها، ولهذا لا يصح لنا التعامل معها بسطحية كمساحيق تجميل؛ ترتبط فقط بالواجهات الخارجية، أو كعناصر يتم استنساخها حرفياً من المباني التراثية، دون أن يكون لها دور حقيقي في تصاميمنا، أو يكون أداؤها الوظيفي لا يتسق مع متطلبات حياتنا المعاصرة، ولا أقول “الحديثة”، لأن مفهوم الحداثة يعتريه قدر كبير من التشوش عندما يفسره الكثيرون، كما سبق وأن أوضحت في مقالي الأول.

النسق الذي سوف أتناوله في هذا المقال مرتبط بمشروع مجمع سكني عائلي خاص قمت بتصميمه في عام 2012 بمدينة الرياض لأحد العائلات العريقة بالمملكة العربية السعودية.

حينما كُلفت بتصميم هذا المشروع كان للمالك متطلبات تقليدية – كغيره من أصحاب الأراضي الكبيرة – تتمثل في توفير فيلا رئيسية كبيرة وفيلتين للأبناء الكبار من الرجال، على أن تتمتع كل واحدة من الفيلات الثلاث بحديقة أمامية خاصة، وارتدادات جانبية كما تنص عليه الأنظمة وقوانين البناء هناك، وحينما فكرت في الأمر طرحت على نفسي سؤالاً أساسياً:

بما أن هذا المشروع لعائلة كبيرة ممتدة بها ثلاثة أجيال متعاقبة، ماذا يمكن للتصميم تقديمه ليدعم هذه العائلة ويحافظ على ترابطها، ويقوي الوشائج بين أفرادها بمختلف أنواعهم وأعمارهم، ويعزز هويتهم وانتمائهم للمكان؟

لقد وجدت الإجابة في النسق الذي سوف أحدثكم عنه.

“الحوش”

الحوش هو نسق عمراني تقليدي ظهر في بعض الأقاليم بالمملكة العربية السعودية مثل إقليمي نجد والحجاز، وهو عبارة عن فناء كبير تلتف حوله عدة مساكن تقطنها عائلة واحدة ممتدة، أوعدة عائلات تربطها علاقات القرابة غالباً.

هذا النسق كان يلعب عدة أدوار متباينة، كتوفير الحماية والخصوصية للسكان، وإتاحة حيز مناسب للتفاعل الاجتماعي، ولاسيما بين النساء، وكحيزٍ تُمارَس به بعض الأنشطة كالضيافة ولعب الأطفال.

الحوش هو أحد صور الترجمة العمرانية لهوية المجتمع في تلك الأقاليم وفق الأبعاد التالية:

البعد البيئي

يلعب الحوش نفس الدور الذي يلعبه الفناء الداخلي في المسكن، إذ يعمل على تخفيف حدة الظروف المناخية الخارجية التي تفرضها البيئة الصحراوية، فيوفر حيزاً حرارياً انتقالياً بين المساكن وبين الفراغ العام، فضلاً عن دوره الفعال في الحد من تأثيرات الرياح المحملة بالرمال التي تعصف بالتجمعات العمرانية، وتتسبب في مشكلات صحية جمة، فبعض الأحواش كانت تحتوي على أشجار تلطف الحرارة وتمنح مساحاتٍ معتبرةً من الظلال للساكنين، وتعمل على تنقية الهواء من الرمال والأتربة. ولهذه الأسباب ظهرت الأحواش بصورة كبيرة في النسيج العضوي المتضام للمدن القديمة كالرياض والمدينة المنورة، وشكلت عنصراً أساسياً من عناصر التصميم الحضري هناك لفترات طويلة قبل طغيان مخططات النسيج النقطي المتعامد.

البعد الاجتماعي الثقافي

المجتمع السعودي مجتمع يغلب عليه المحافظة، فهو ينظر لمسألة الخصوصية كركن أساسي في نمط الحياة التي تتسق مع عاداته وتقاليده، التي يرتبط جوهرها بالعقيدة الإسلامية، ولهذا ظلت النساء لفترات طويلة يتمتعن بالستر في بيوتهن بفضل ما توفره لهن الأفنية الداخلية، حيث يجدن الحرية في الخروج من غرف المسكن، والمكوث في الهواء الطلق دون أن تُجرح خصوصيتهن، والحوش قد وفر لهن تلك الحرية، وأضاف إليها فرص الالتقاء بين النسوة في العائلة الواحدة للتسامر وممارسة بعض الأنشطة اليومية بصورة جماعية، ووفر حيزاً للضيافة النسائية في المناسبات التي تلتزم فيها العائلات بالفصل بين النساء والرجال كاستجابة لمنظومة العادات والتقاليد، التي تتسم بالكرم وحسن استقبال الضيوف، في هذا المجتمع تنتشر فكرة الولائم في البيوت، حتى إن هناك من يقيمها بصورة دورية، والبعض يذهب إلى أن يدعو العامة لها، كنوع من أنواع التكافل ونشر الخير والحصول على الأجر والثواب.

من يقترب من المجتمع السعودي سيجد أنه من أكثر المجتمعات حرصاً على الترابط العائلي وتقوية أواصر القرابة، وقد يرجع الأمر لأسباب دينية، فضلاً عن تأثيرات الحياة القبلية هناك، وهذا الأمر له أعظم الأثر في تماسك المجتمع والحفاظ على سمته وهويته، ولهذا كان التفاف مساكن الأسر الكبيرة الممتدة حول فراغ واحد كالحوش هو أمر غاية في الأهمية لتنشئة الأجيال المتعاقبة على نفس النهج، حيث ينضوي الجميع تحت مظلة الأسرة بعيداً عن “الفردانية”، وقد يُضحي الأفراد بقدر ولو قليل من الحرية الشخصية في مقابل الدفء والحماية والانتماء للعائلة.

البعد الإنساني

من المعترف به أن عمارة المناطق الحارة هي عمارة تتجه غالباً للداخل، فواجهاتها الخارجية تغلب عليها البساطة والمساحات المصمتة، على خلاف واجهاتها الداخلية المطلة على الفناء أو الحوش، حيث تمتلىء بالفتحات، ويذوب فيها الفاصل بين الداخل والخارج، فالاتصال بالطبيعة والكون والحياة بأسرها تدور بالداخل في قلب الكتلة البنائية، ولهذا يعتبر الحوش هو القلب الذي يُشعر السكان بالطمأنينة ويمنحهم السكينة ويحميهم من قسوة “الخارج”، وتلك المشاعر الإنسانية هي من أشد ما يحتاج لها قاطنو الصحراء، فالحوش بالنسبة لهم هو الواحة وسط الفراغ اللامتناهي الذي يحيط بهم من بحور الرمال.

البعد الوظيفي

الحوش هو المُناظر الداخلي للساحة الخارجية، مع الفارق في الحجم والخصوصية؛ فراغ خارجي تطل عليه عدة بيوت، ويستوعب عدة أنشطة يومية وموسمية مختلفة، فتارة يكون حيزاً لملتقى النساء، وتارة أخرى يصبح حيزاً للعب الأطفال، أو فراغاً لاستقبال الضيوف وإقامة الولائم في المناسبات، أومصدراً للضوء والتهوية الطبيعية للفراغات بالكتل المحيطة به.

بالنظر لوجاهة هذه الأبعاد المرتبطة مباشرة بهوية أهل المكان يصبح من المنطقي بل ومن الواجب أن نضع “الحوش” كنسق على رأس قائمة المتطلبات التصميمية في مشروع السكن العائلي الذي تولينا تصميمه، ولكن هناك ثلاث تحديات كان علينا مواجهتها بحكمة كي نعيد هذا النسق للحياة من جديد، ونتيح له الفرصة أن يؤدي دوره بصورة تتناسب مع الاحتياجات المعاصرة.

التحديات التصميمية

التحدي الأول – أنظمة البناء

قانون البناء في ذلك الوقت لم يكن يسمح بالبناء على الصامت نهائياً، ونحن لدينا أربعة من قطع الأراضي مفصولة تماماً، لكل منها صك ملكية مستقل، وعلينا الالتزام بحدودها والارتدادات النظامية التي تخصها، فحينما اقترحت على المالك فكرة الحوش الداخلي واقتنع بها، كان علينا إجراء قرار لضم الأراضي ولكن مع الحفاظ تصميمياً على الحدود الفاصلة بينها، تحسباً لو قرر أحد الملاك بيعَ ملكيته، وتغلبت على المساحات الفاصلة الفارغة بين كتل المباني بأن وضعت بها برجولات خشبية ونباتات تخلق أسواراً تساعد في تحديد شكل فراغ الحوش، ذلك بعد أن تحول الموقع إلى ثلاث قطع أراض مضمومة، ويمكن فصلها في ذات الوقت، وهذا الوضع مَنَحَنِي الفرصة لتشكيل كتلة الفيلا الرئيسية على هيئة شريطية تحتضن القسم الأكبر من الحوش الداخلي، وتحيط به، وجعلتُ كافة الغرف الخاصة بالبنات والفراغات المعيشية بها تطل على الحوش، ولم يتبقَّ سوى غرف الأولاد فقط، هي التي جعلتها تطل على الشارع الخارجي، حتى إن الواجهة الخارجية لتلك الفيلا أصبحت شبه مصمتة على عكس واجهتها الداخلية.

مخطط الموقع العام

التحدي الثاني – الاستقلال مقابل الخصوصية

نعلم جميعاً أن مجتمعاتنا تمر بحالة من التحول ينتقل فيها الأفراد من “الجماعية” إلى “الفردانية”، حيث تزيد مساحة الحرية للفرد على حساب الاتصال بالجماعة، وهذا الأمر يجد قدراً من التناقض مع الصورة التقليدية للحوش، الذي كانت جميع الأسر تتشارك فيه القسم الأعظم من حياتها اليومية، ونحن في مشروعنا لدينا فيلتان لسكن الأبناء من الرجال، ونعلم أنه بالتأكيد سيكون هناك حاجة لأن تشعر زوجات الأبناء بقدر من الاستقلالية النسبية، وهذا حق طبيعي لهن، والتجاوب معه يجنب الجميع المشكلات الاجتماعية التي قد تنشأ بسبب فقدان هذا القدر من الحرية الشخصية، ولهذا قررنا أن يكون لكل فيلا من فيلتي الأبناء فناءٌ خاص بها، يتصل بالحوش الكبيرعن طريق ممر يمكن غلقه أو فتحه، وبالتالي يصبح لكل أسرة صغيرة حرية القرار والاختيار بين ممارسة حياتها الخاصة بصورة مستقلة عن المجمع السكني، أو المشاركة والاندماج مع العائلة الكبيرة في الأنشطة التي تحدث في الحوش العائلي.

الفناء الداخلي لفيلا الأبن الأكبر

التحدي الثالث – تحفيز الحياة

مجرد توفير الحيز الخاص بالحوش وإحاطته بالكتل السكنية لا يعني بالضرورة أن يكفل له الاستخدام، ولا سيما أن الوسائل المعاصرة توفر أنشطة ترفيهية كثيرة جاذبة للأجيال الناشئة على الأخص، وتحول دون خروجهم لممارسة أنشطة خارجية، ولعلكم تتذكرون جيداً عبارتي الماثورة بأن “السعادة لا يصنعها الفراغ بل تصنعها الأحداث الجميلة التي سمح الفراغ بحدوثها في داخله” ، وبالتالي كان علينا التفكير في كيفية تحفيز أفراد العائلة لاستخدام الحوش والاستفادة منه، وقد جاء الحل عن طريق إقناع المالك بأن نضع المسبح والجاكوزي في قلب حديقة الحوش، بدلاً من وضعهما في دور القبو كما كان يريد هو في البداية، إذ يصبح الحوش بهذا الوضع مكانَ اللقاء الأسبوعي للعائلة الكبيرة في يوم الجمعة من بعد الصلاة، حيث يستمتع الكبار والصغار بممارسة السباحة، ويستمتع الجد بالجاكوزي، وتلتقي نساء العائلة في الحديقة، ويتشاركن الإشراف على إعداد طاولات الطعام، ويقضي الجميع وقتاً ممتعاً، وتدب الحياة في هذا الفراغ الذي صممنا كل جزء فيه ليؤدي وظيفته على الوجه الأكمل.

 

الحوش الرئيسي ويظهر المسبح والفراغات المعيشية بالفيلا الرئيسية

 

علاقة فيلتي الأبناء بالحوش الرئيسي

الحقيقة أن كل مشروع أصممه أعتبره كأحد أبنائي، ولهذا تجدني أسأل أصحابه عن حاله ومدى توافقه واتساقه مع أسلوب حياتهم، ولقد سَرَّني وأثلج قلبي عندما سألت الأبن الأكبر -الذي أصبح صديقاً مقرباً لي بانتهاء المشروع – عن أحوالهم وكيف هي انطباعتهم عن المشروع فتأتيني الإجابة بأن العائلة تغمرها السعادة بهذا الفراغ المميز، وأنه يمثل ركيزة أساسية بالنسبة لهم، حيث ينبض دائماً بالحياة، وبسببه أصبح اللقاء الأسبوعي أمراً يحرص عليه الجميع للترفيه والاستئناس بالدفء العائلي، ولعل هذا الأمر هو أكبر جائزة قد يحصل عليها المعماري من وراء تصميمه، إذ يشعر بأنه قد ساهم في خلق حياة إيجابية لعملائه تتسق والمبادئ التي يؤمن بها وتفيد المجتمع.

 
 
محمد الرافعي، 8 أغسطس 2025
 

Leave A Comment

Related posts

Browse All

خواطر ورؤى معمارية

  …خواطر ورؤى معمارية     هذه باقة من أفكاري وخواطري جمعتها هنا علها تُبدد حيرة أو تُهدي فكرة أو تنير ظُلمة أو تُرشد لطريق، ولا أريد أن يُظّن من قرائتها أنني وحدي من يمتلك الحقيقة وغيري تائه في الضلال؟ فما أطرحه هنا هو محض اجتهادات فكرية ورؤى خاصة بي…

لنفسح المجال أمام أنساقنا البنائية المحلية كي تمنحنا حياة معاصرة

  لنفسح المجال أمام أنساقنا البنائية المحلية كي تمنحنا حياة معاصرة   هذا هو الهدف الرئيس الذي تمحورت حوله رؤيتنا التصميمية للمشروع الذي صممناه حديثاً ونشارك أفكاره معكم . فالنسيج الكتلي المتضام، والفناء الداخلي، وخلق الفراغات المنحوتة في الكتلة من الداخل إلى الخارج، وتوظيف مواد البناء الطبيعية في الإنشاء، والتهوية…

هل ماتت الحرفية في عمارة منزوعة الدسم

  هل ماتت الحرفية في عمارة منزوعة الدسم   أتتذكرون طفولتكم وكم هي كانت جودة الحياة فيها؟ أتذكرون عندما كانت المباني تجسد صورة دقيقة لقسمات مجتماعتنا، وتحمل في طياتها قصصاً وأسراراً؟ عندما كانت الجدران تتحدث، والخشب يروي حكايات الزمن؟ اليوم، يبدو أن المباني فقدت روحها، وتحولت إلى مجرد هياكل خالية…

العمارة النظرية… وحب الظهور

  العمارة النظرية… وحب الظهور   وصلتني مؤخرًا دعوة للمشاركة كمتحدث رئيس في مؤتمر دولي يتناول قضايا التراث والترميم تحديدًا، فتساءلت في حيرة: من أين حصل المنظمون على معلومة أنني متخصص في الترميم؟ فهذا المجال لم أعمل به قط، ولا توجد لدي أي خبرة عملية مرتبطة به، لذا فأنا لست…

العمارة الصادقة، تحديات واطروحات

  العمارة الصادقة، تحديات واطروحات   منذ أن صككت مصطلح “العمارة الصادقة” في سبتمبر 2022، وأنا في سعي دائم نحو استكشاف الفرص المتاحة لتحقيقه في واقعنا المعاصر، ولطالما وضحت أن تحقيقه غير مرتبط بتصور واحد وحيد “أمثل” ولذا فإنني أردد في مختلف المناسبات أنه سيكون هناك دوماً المناسب والأنسب والأكثر…

الصدق في العمارة

  الصدق في العمارة كلما شاركت بنشر أحد المشروعات التي أقوم بتصميمها مع فريقي التصميمي، في إطار محاولاتنا المستمرة لتحقيق مفهوم “العمارة الصادقة” الذي كنت قد طرحته منذ أكثر من ثلاث سنوات، ترد الي أسئلة كثيرة حول ماهية المفهوم؟ ومعاييره، والبعض يسأل عن احتمالية وجود عمارة “كاذبة” أو غير صادقة…
Browse All

Adeem Consultants is a full-service design studio providing architectural consultations.

Contact Info

Phone – Egypt    : +2 02 235 23 102

 Mobile – Egypt    : +2 010 01 587 791

 Mobile – KSA      : +966 508 094 594

 Mobile – Turkey : +90 535 853 40 68

  Email : Info@adeemconsult.com

Office Address

6 Sabel El-Moamenen St.,

Al-Sefarat district, Nasr City,

Cairo, Egypt.

Post code 11471, EGYPT

UP