لنفسح المجال أمام أنساقنا البنائية المحلية كي تمنحنا حياة معاصرة
هذا هو الهدف الرئيس الذي تمحورت حوله رؤيتنا التصميمية للمشروع الذي صممناه حديثاً ونشارك أفكاره معكم . فالنسيج الكتلي المتضام، والفناء الداخلي، وخلق الفراغات المنحوتة في الكتلة من الداخل إلى الخارج، وتوظيف مواد البناء الطبيعية في الإنشاء، والتهوية والتبريد بالأنظمة الغير مستنزفة للطاقة، والمتتابعات البصرية الشيقة المُشَّكلة من المسارات والفراغات العمرانية ذات المقياس الإنساني، جميعها تُمثل حزمة من الأنساق المعمارية والعمرانية التي تميز النتاج البنائي في بيئتنا المحلية. لكن، غالباً ما نجد تلك الأنساق إما في المناطق التراثية التاريخية، أو نجدها في مشروعات فولكلورية تحاكي وتستنسخ بعضاً من المناطق التراثية كنوع من أنواع “الديكور المسرحي”، وقليلاً ما نجد من يتناول هذه الأنساق بتحليل موضوعي ويعيد توظيفها بصورة واعية وجادة.

نحن لا نريد أبداً العودة للماضي، بل على العكس تماماً، نحن نهدف لأن نصيغ هذه الأنساق المحلية بالصورة التي نستطيع من خلالها أن نقدمها للمجتمع كبديل واقعي يتوائم مع الحاضر، بل والمستقبل أيضاً. حيث لا يوجد تعارض بين توظيفها في التصميم وبين كافة الفاعليات والأنشطة التي تتسم بها حياتنا المعاصرة.
نحن نريد أن نُعيد ثقة مجتمعاتنا من جديد في قدرة تلك الأنساق على تلبية احتياجات العصر بكفاءة وانسجام تام مع معايير الاستدامة الحقيقية.
في العدد الصادر لجريدة الرياض السعودية بتاريخ 4-5 أكتوبر 2024 يقول الأستاذ حمود الضويحي:
” …مع الطفرة التي عاشتها بلادنا في كافة المجالات والتقدم الذي شمل كافة مناحي الحياة وجد الناس بديلاً لبيوت الطين المتلاصقة والطرقات الضيقة عبر الفلل السكنية الواسعة المتعددة الأدوار ذات الشوارع الفسيحة والخدمات البلدية كالنظافة والإنارة والأرصفة والحدائق والميادين العامة………….وأمام إغراءات تلك الحياة المعاصرة لم تستطع بيوت الطين المقاومة رغم محاولة ساكنيها في تلك الفترة تزويدها بمسحة من الحياة المعاصرة كالكهرباء وشبكات المياه وبعض الأجهزة كالتلفاز والثلاجة والأبواب الحديدية والنوافذ، إلا أنها لم تستطع الصمود أمام حداثة البناء وزخرفاته، فتم هجرها فتهاوت شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح غالبها أطلالاً تعيد كل من شاهدها إلى زمن البساطة والصفاء الذي فقدوه في خضم الحياة المعاصرة بإيقاعها السريع، أنست الجار جاره ووجد حتى ساكني البيت الواحد الوحشة فيما بينهم بتغير أنماط الحياة والسعي الحثيث وراء العمل لتحقيق طموحاتهم.”
هذه الحالة التي رصدها المقال بجريدة الرياض تفرض علينا سؤال جوهري تحتاج الإجابة عليه نظرة موضوعية لمفهوم “الحداثة” بعيداً عن مظاهر “الزخرفة” التي ذكرها الكاتب، ألا وهو:
ما الذي تتطلبه مظاهر الحياة العصرية وتعجز عن توفيره الأنساق التقليدية ؟

على الجانب الآخر، لقد واجهنا في هذا المشروع تحدياً كبيراً يتمثل في كيفية الموازنة بين الجانب الاستثماري الذي يهدف لتقليل النفقات وتعظيم الأرباح وبين رؤيتنا الخاصة حول هدفنا الذي ذكرناه. فمن المتعارف عليه في مثل هذه المشروعات الاستثمارية أن يكون “النموذج التكراري” الذي يمكن إنتاجه بالجملة هو من البديهيات التي تحكم التصميم لخفض تكاليف الإنشاء إلى أقصى حد ممكن، إلا أن هذا القالب التكراري يتعارض تماماً مع أنساقنا التي نتبناها، فكيف إذاً سنتغلب على هذه الإشكالية؟
قد يحقق النموذج التكراري فعلاً خفض في التكلفة، ولكن هذا ليس بالضرورة الحل الوحيد لخفض التكلفة، فاستخدام منظومة بناء تعتمد على إنتاج خامة الإنشاء بصورة محلية إقتصادية كطوب التربة المضغوطة المنتج بخط إنتاج اقتصادي، مع البناء بنظام الحوائط الحاملة، وتصميم الفرش الداخلي ليتم بناء الكثير منه بدلاً من شراؤه جاهزاً، ومع وضع منظومة تهوية وتبريد طبيعية ….إلخ، كل ذلك يمكنه خفض التكلفة بصورة أكبر بكثير من “النموذج التكراري”.
على الجانب الآخر، وكبديل لهذا النموذج ” التكراري المتطابق” فقد ابتكرنا ما قد نسمية “النموذج المتكيف” Adaptive Model ، ذلك النموذج الذي يوفر نفس برنامج الفراغات ولكن تصميمه يتغير نسبياً ويتكيف مع محيطه وفق موضعه في النسيج، إذ من الممكن أن تتغير أبعاد بعض فراغاته الداخلية أو تضاف إليها فراغات جديدة أو يزداد سمك بعض حوائطه لتخلق تفاصيل داخلية مختلفة، وبهذا الشكل لا توجد منه نسخة مكرره طبق الأصل على الإطلاق، كما هو حادث في استخدام النماذج التكرارية المتعارف عليها “Prototype”. وبهذه الكيفية نكون قد استطعنا أن نوازن بين تكرار الأنساق وتعدد الحلول والتفاصيل، ولما لا نفعل ونحن تحت أيدينا نظام إنشائي يتيح لنا مرونة كاملة لتحقيق هذا الأمر، فالبناء بنظام الحوائط الحاملة يتيح لنا بسهولة إجراء تلك التغيرات في المسقط دون أية أعباء إضافية ويسمح بخلق الكثير من التفاصيل مما لا يمكن تحقيقة في نظام الإنشاء الهيكلي الخرساني. تلك التفاصيل لا تحقق فقط التنوع، بل أيضا تثري البناء بإبداعات البنائين والحرفيين المهرة، فترفع من قيمة النتاج النهائي وتؤكد على السمات المميزة لمجتمعاتنا وذائقتها الخاصة.
الأمر تماماً شبيه بما نصادفه بالطبيعة، فنحن إن زرعنا أعداداً كبيرة من الشتلات لأشجار من نفس الفصيلة قد تبدو للناظر من بعيد أنها متماثلة …نعم ، ولكنها ليست متطابقة ، والاختلافات بينها قد ترتبط بموقع كل منها قرباً أو بعداً من مصدر المياه، أو تفاوت مقدار تعرضها لأشعة الشمس، أو تاثيرات حركة الرياح، أو التغيرات الحادثة في طبيعة التربة…إلخ، ولهذا تجد احداها وقد نمت فروعها بصورة أطول، وأخرى قد غاصت جذورها لعمق أكبر، وثالثة قد أزهرت مبكراً ….وهكذا. ولن تجد أبداً من بينها من تتطابق مع الأخرى بصورة تامة، فالطبيعة لا تعرف “التطابق”، وهو على العكس تماماً مما نخلقه نحن في تصاميمنا، التي تعتمد على النماذج التكرارية المتطابقة كما النباتات البلاستيكية التي يضعها بعضنا في منازله وتفتقر للحياة وتجد جميعها لها نفس الشكل والحجم والتفاصيل وهذا منطقي للغاية كونها تنتج جميعاً من قالب واحد في المصانع.
هناك تحدي آخر واجهناه تمثل في تباين الاستعمالات المشكلة لبرنامج المشروع، وتوزعها على أربعة أنشطة رئيسية، وكان لزاماً علينا إيجاد صياغة تصميمية مناسبة لدمجهم جميعاً، بالصورة التي لا توفر التناغم فيما بينهم وحسب، بل أيضاً تكفل لكل نشاط الظروف المناسبة لتأدية دوره بصورة تامة غير منقوصة. فالموقع عليه أن يستوعب مزرعة منتجة لأشجار الفاكهة بجانب مركزي صحي متخصص في العلاج الفزيائي والنقاهة الطبية، إلى جانب وحدات إقامة سياحية متنوعة المساحات والكل يشترك في حزمة من الخدمات الرياضية والترفيهية الجاذبة. فمشروعنا الذي نشارككم إياه هو مشروع صحي استشفائي، سياحي، ترفيهي وزراعي في ذات الوقت.
محمد الرافعي، 08 سبتمبر 2024
يمكنكم الإطلاع على تفاصيل التصميم من خلال الرابط التالي :