مشروع منتجع واحة العيون من منظور ميثاق الملك سلمان العمراني
هذه سلسلة قصيرة من المقالات سوف أخصصها عن مشروعنا الذي صممناه بالمدينة المنورة، ومن خلالها سوف استعرض التصميم من منظور المعايير المهنية التي أرساها ميثاق الملك سلمان العمراني.
المشروع عبارة عن منتجع بيئي للسياحة الريفية، والموقع هو مزرعة خاصة تطل على “وادي قناة” بالمدينة المنورة، وتبعد 10 كيلومترات عن المسجد النبوي.

موقع المشروع وعلاقته بالمحيط والمنطقة المركزية
لقد فرض موقع المشروع تحدياً أساسياً واجهه التصميم؛ إذ يقع ضمن منطقة مزارع يتم تحويلها تدريجياً إلى مناطق تنمية عمرانية حضرية، وهو أمرٌ سيؤثر سلباً على طبيعة المكان وهويته في حال استمراره. ولهذا، كان علينا خلق توازنٍ دقيق بين التنمية العمرانية والحفاظ على طبيعة الموقع كمزرعة تضم بستاناً من النخيل، ولم نكتفِ بذلك، بل حافظنا على النسق الجوهري الذي يميز المكان من خلال العلاقة الوثيقة بين الوادي وبساتين النخيل.
وقد أوصت الدراسة التشغيلية ودراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع بضرورة توفير 80 وحدة إقامة فندقية، موزعة بين غرف وشاليهات (ثنائية وثلاثية الغرف).
وانطلاقاً من مسؤوليتنا تجاه بيئتنا العمرانية ونتاجنا المعماري، نؤمن بأن أي مشروع -وإن كان ذو ملكية خاصة تمنح ملاكه حرية القرار التصميمي بما يحقق مصالحهم- يجب أن يظل دائماً مرتبطاً بسياقه ولا ينفصل عنه؛ كونه يساهم في تشكيل النسيج العمراني، ويؤثر ويتأثر بحركية المجتمع الذي يحتضنه.
لذلك، وضعنا نصب أعيننا هدفاً أساسياً يرمي إلى تحقيق التوازن بين الأهداف الاستثمارية للمطور العقاري (من حيث العائد المادي المرتفع، ورفع قيمة الأرض، وتحقيق القيمة المضافة)، وبين احتياجات المجتمع من معايير الاستدامة والتأكيد على الهوية. وقد حرصنا على ذلك دون انحياز لطرف على حساب الآخر؛ فالتصميم -إلى جانب التزامه التام بمخرجات دراسة الجدوى والتشغيل، وتحقيق عدد وحدات فندقية أكبر من المطلوب- سعى لتقديم “عمارة صادقة“.
فالرواشين ستُصنع من خشب “الساج” بأيدي الشباب السعودي الماهر، لتؤدي وظيفة حقيقية لا شكلية. والحوائط الحاملة ستُبنى من طوب التربة المضغوطة المستخرجة من نواتج الحفر. كما أن جزءاً معتبراً من أنظمة التهوية والتبريد سيعمل بمنظومة تستغل الطاقات الطبيعية، ولا يوجد “عقد” في البناء إلا وله وظيفة إنشائية.
المشروع مصمم ليستوعب إبداعات الشباب السعودي في أجزاء عدة منه، أما التعبيرات والبصرية بالواجهات، فقد صيغت بصورة بلاغية معاصرة مستوحاة من مفردات العمارة التقليدية بالمدينة المنورة، وتدعم التصاميم الداخلية للشاليهات السمت العام للثقافة المحلية التي تحترم الخصوصية، من خلال المداخل المنكسرة والأفنية الداخلية، كما أن الأنشطة الترويحية بالبستان صُممت لتمنح الضيوف تجربة حسية متصلة بثقافة المكان التي تتناسب مع “مدينة المصطفى ﷺ”.
الأبواب والشبابيك وتغطيات الممرات جميعها من “المنجور” المحلي، وأرضيات المشايات من الأحجار الطبيعية المتوفرة بالمدينة، وحتى “خط السماء” المتدرج يترجم ببساطة طبيعة الوظيفة والاستخدام، وصولاً إلى النباتات المختارة التي تنتمي جميعها لبيئة المدينة. لقد حرصنا في قراراتنا التصميمية على مراعاة حزمة من الاعتبارات: الاقتصادية، الوظيفية، البيئية، الثقافية، الاجتماعية، الجمالية، التقنية، الإنسانية، والتنموية.
حينما نريد أن نرى المشروع من منظور مبادئ ميثاق الملك سلمان العمراني سنبدأ بأول معيار وهو “الأصــــالة”
الأصالة
يتبنى تصميم المشروع موقفاً عميقاً من مفهوم “التأصيل”؛ إذ لا يقتصر اهتمامه على توظيف المفردات المعبرة عن الهوية البصرية لعمارة المدينة المنورة التقليدية فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة توظيف وتطوير الأنساق العمرانية والمعمارية والإنشائية التقليدية بصورة أساسية، فبدراسة النسيج التقليدي لعمران المدينة المنورة، يتضح وجود نسقين بارزين يميزان هذا النسيج، متمثلين في ثنائية “الأحواش” و “الأزقة”؛ فالحوش فراغ عمراني تلتف حوله مجموعة من المساكن، بينما تمثل الأزقة شبكة شرايين الحركة الضيقة التي تربط الأحواش وعناصر النسيج ببعضها بعضاً.
وقد وجدنا في إعادة توظيف نسق “الحوش” وتطويره في المشروع فرصة ثمينة لتحقيق الحماية من المناخ الخارجي، وتوفير حالة من السكينة للنزلاء، وذلك عبر خلق حدائق داخلية توفر الظلال وتيارات الهواء البارد، فضلاً عما أتاحته لنا من إمكانية خلق مطلات مبهجة للوحدات الفندقية الداخلية، وتوفير مساحات للتفاعل الاجتماعي ولعب الأطفال، وعلى الجانب الآخر، خلق التصميم مصفوفة من “الأزقة” التي تتخلل نسيج المشروع وتربط عناصره، لتجعل من الحركة خلالها تجربة حسية متكاملة.

نسق (الحوش/الزقاق) كمنظم للفراغات العمرانية
كما حافظ التصميم على نسق أصيل آخر مرتبط بالموقع وهو نسق “الوادي والبستان”، الذي ميز المكان لعقود طويلة؛ حيث تصطف بساتين النخيل على جانبي “وادي قناة” لتخلق سردية بصرية مميزة، وهي سردية بات يهددها زحف المباني السكنية الحديثة التي حلّت محل المزارع، وهذا ما وجّه التصميم نحو الحفاظ على البستان القائم بالموقع، واختيار موقع مبنى الاستقبال الرئيسي في الضلع الغربي للأرض بدلاً من الضلع الشرقي المطل على الوادي، ليبقى البستان هو الواجهة الأساسية المطلة على الوادي.
علاوة على ذلك، اهتم التصميم بإبراز المكانة الرمزية لـ “جبل أحد” ليس فقط كعنصر بصري مهيب يشرف على الوادي في الجهة المقابلة للمشروع، بل هو مصدر للطمأنينة والراحة النفسية، فهذا الجبل يحظى بمكانة ومحبة عظيمة في قلوب المسلمين،، وتعد صورته المرتبطة بالوادي أصلاً جوهرياً من أصول هذا المكان، حرص التصميم على جعل رؤيته متاحة من نقاط عدة موزعة في الموقع، بحيث يمثل كل إطار بصري منها مشاعر متباينة بين المهابة والوقار والجمال، إذ يحتفي التصميم برؤية الجبل من الشرفات الخارجية الكبيرة لمبنى الاستقبال والنادي الرياضي، ويظهر كعلامة بصرية مميزة للسائرين في أزقة الحركة الرئيسية، كما استحدث التصميم شرفة واسعة تطل على الوادي مباشرة، تتيح للجالسين استشراف الوادي والتمتع برؤية جبل أحد بزاوية بانورامية تجمعه ببساتين النخيل في مشهد دراماتيكي أخاذ، سيحفر في ذاكرة النزلاء صورة ذهنية تبقى معهم طويلاً بعد مغادرتهم المكان.

جبل أحد ليس مجرد عنصر بصري مميز بل مصدر للطمأنينة وراحة النفوس
ولترسيخ هذا التفرد، حرص التصميم على إبراز الهوية البصرية لعمارة المدينة المنورة في الواجهات الخارجية والداخلية، عبر تحليل الجمل البصرية التقليدية للوصول إلى مفرداتها وقواعدها الناظمة؛ ليس بهدف استنساخها، بل لإعادة نظمها وتطويرها في جمل بصرية معاصرة تتحرى الصدق التام في التعبير، فالرواشين المستخدمة تؤدي وظيفة مناخية وحيوية حقيقية، والعقود عناصر إنشائية فاعلة، كما أن الكتل والارتفاعات والنسب تترجم احتياجات وظيفية فعلية غير مفتعلة؛ وبذلك تصبح الواجهات تعبيراً صادقاً عما تغلفه بداخلها من فراغات، وليست مجرد “مساحيق تجميل” خارجية.
في المقال التالي إن شاء الله سوف أناقش معياري “الاستمرارية” و “محورية الإنسان”.
محمد الرافعي، 18 أكتوبر 2026
