مشروع منتجع واحة العيون من منظور ميثاق الملك سلمان العمراني
هذا هو المقال الثاني من سلسلة المقالات القصيرة التي خصصتها عن مشروعنا الذي صممناه بالمدينة المنورة، والتي من خلالها استعرض تصميمنا من منظور المعايير المهنية التي أرساها ميثاق الملك سلمان العمراني.
في المقال السابق تحدثت عن معيار “الأصالة” واليوم استكمل الحديث عن محورين جديرين بالاهتمام ألا وهما “الإستمرارية” و “محورية الإنسان” ، فالأصالة لا تعني أبدا التجمد أو التوقف عند مرحلة ما من الماضي، ولا يجب أن تقف عائقاً أمام التجدد للاستجابة لمتطلبات الحياة المعاصرة، بل هي تمثل الجذور التي تدعم الحركة نحو المستقبل وفق هوية المجتمعات، والتي يجب أن يتوفر لها ما يضمن استمراريتها والحفاظ على ثوابتها، وهذه الحركة إن لم تكن لخدمة “الإنسان” فلا قيمة لها، فالتنمية بكافة أنواعها والعمران بكافة أشكاله ينبغي وأن يكون هدفهما الأسمى هو “جودة الحياة” للبشر بكافة مستوياتهم في مجتمعاتنا المحلية.
الإستمرارية
من منطلق إيماننا بأن الأفكار الأصيلة لا تحتاج فقط لمن يتبناها ويحولها إلى واقع معاش، بل تحتاج أيضاً –وبالضرورة– لمن يرعاها ويحافظ عليها، ويضمن استمراريتها وتطورها وبقاءها، وهذا لا يتأتى بمسؤولية فردية، بل يتحقق بصورة أعمق حينما تكون المسؤولية جماعية ومجتمعية؛ ولتحقيق هذا الهدف، تبنى التصميم فكرة إشراك المجتمع ودمجه في صياغة وتنفيذ عناصر محددة بعناية داخل المشروع.
لقد وضع التصميم خطة دقيقة للاستفادة من المواهب الواعدة لدى الشباب والفنانين والحرفيين المهرة المحليين، الذين تذخر المؤسسات المختصة بإبداعاتهم، كمؤسسة “ورث”؛ حيث خُصصت مكونات وعناصر شتى في التصميم ليتم تنفيذها بأيدي هؤلاء المبدعين. وبناءً عليه، ستُسند إليهم صناعة “الرواشين” والأبواب والنوافذ من خشب الساج، وكافة قطع “المنجور” التي يحتاجها المشروع، فضلاً عن فوانيس الإضاءة، والمنسوجات التي تحمل الزخارف التقليدية بمختلف أنواعها، ولا سيما تلك المستخدمة في تغطية الأزقة والممرات الخارجية.


توظيف طاقات المجتمع الإبداعية في المشروع
كما سيتم التعاون بين إدارة المشروع والمؤسسات المختصة للاستعانة بهؤلاء المبدعين في إجراء الصيانة الدورية للقطع الفنية التي أنتجوها، وفي جانب التأهيل العلمي، سيتم تدريب من يرغب من شباب المعماريين على تقنيات البناء بـ “الحوائط الحاملة” واستخدام الطوب، إلى جانب عقد دورات تدريبية لطلبة العمارة بالجامعات السعودية حول تقنيات إنتاج وتصنيع “طوب التربة المضغوطة” المستخدم في الإنشاء.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى تنظيم فعالية دورية (بينالي) تقام كل سنتين برعاية المنتجع، لعرض إبداعات الموهوبين في “البستان” داخل المشروع، وإتاحة الفرصة لبيعها للنزلاء والزوار؛ مما يمثل ترويجاً واسعاً للمنتجع من جهة، ومصدر دعم معنوي هائل للمبدعين من جهة أخرى، حيث يُكرم المتميزون منهم بضم أعمالهم إلى أماكن مخصصة في المشروع، مع تدوين أسمائهم بجوار مقتنياتهم ليكون ذلك مصدر فخر لهم ولعائلاتهم.

ترويج الإبداعات الحرفية يضمن لها استمراريتها وتطورها والحفاظ عليها
بهذه الكيفية، لن يظل المشروع حياً في مخيلة المجتمع فحسب، بل سيوفر أيضاً فرصة ثمينة للحفاظ على الحرف والفنون التقليدية وتطويرها بما يتسق مع هويته الأصيلة؛ وذلك من خلال فهمها وإعادة صياغتها في قوالب معاصرة بدلاً من مجرد استنساخها، لتصبح حية ومستدامة، وتؤدي وظائف حقيقية في الحياة المعاصرة، وتعود لتشكل جزءاً أساسياً من ثقافة البناء مجدداً.
إننا بهذه المنهجية، نضمن استمرارية أصالة كافة عناصر المشروع وتكويناته، بعيداً عن الصرعات والموضات الزائلة؛ فكل ما يحتويه المشروع هو نتاج جهد حقيقي، وخامات مستدامة، وإبداعات أصيلة من أبناء المجتمع، مما يمنحه الفرصة ليبقى إرثاً ثميناً يحفز الأجيال المتعاقبة على صونه وتطويره.
محورية الإنسان
يتمثل أحد أهم الأهداف التي وضعها التصميم نصب عينيه في خلق صورة ذهنية خاصة بالمكان في مخيلة زواره “صناعة الذكريات”؛ فمن المعروف في صناعة السياحة أن النجاح لا يقتصر على القدرة على جذب أكبر عدد من الزوار للمرة الأولى فحسب، بل في خلق حالة ارتباط قوية بين المكان وزائريه تضمن عودتهم إليه مراراً، فالزائر الذي يحظى بتجربة فريدة، لن يرغب في العودة مرة أخرى فحسب، بل سيكون سفيراً للمكان في بلاده أو مدينته.
ونحن نعلم شدة المنافسة في مجال السياحة، ولهذا حرص التصميم على أن تكون الصور التي يلتقطها الضيوف في المشروع -ويعرضونها على أقاربهم وذويهم- حاملة لملامح متميزة جداً، تخبر الجميع بأنها قد التُقطت في المدينة المنورة دون غيرها، وأن ملامح المنتجع لا تشبه أي منتجع آخر في العالم، وهذا ما سعى التصميم لتحقيقه، ليس من خلال الواجهات الخارجية التي تحمل هوية المدينة فحسب، بل أيضاً عبر التخطيط العمراني الذي اعتمد نسق “الأحواش والأزقة”، وفي التفاصيل الدقيقة التي تتجلى في كافة عناصر المشروع.
لقد حرص التصميم على منح مستخدمي المشروع تجارب فراغية شيقة تخاطب حواسهم كافة؛ فبخلاف ما جرى عليه العرف في وحدات الإقامة التقليدية، وفر التصميم شاليهات تحتضن أفنية داخلية مفتوحة للسماء ذات مقياس إنساني حميم، تغمر جالسها بإحساس من السكون والصفاء وطمأنينة القلب، وهي الأحاسيس ذاتها التي يشعر بها كل من يزور المدينة المنورة، فالفناء يمنحك قطعة خاصة من السماء، تتوسطه نافورة مياه صغيرة، وفي أحد أركانه تبرز شجرة “جهنمية” زاهية؛ وكأننا بذلك نصنع “خلوة” لمن يريد الجلوس بعد صلاة الفجر أو عند المغيب، ليستمتع بحالة يمتزج فيها خرير الماء مع نسمات الهواء الرطبة، وألوان الزهور مع مشهد السماء الصافية والنجوم المتلألئة التي تميز المكان.

وحدات إقامة تمتلك قطعة خاصة من السماء
لقد طبقنا المفهوم ذاته على مختلف نطاقات المشروع، فلم نكتفِ بتوفير تلك التجارب الحسية في الفراغات الداخلية، بل حرصنا على نقلها إلى الفراغات الخارجية أيضاً. فالسير في شبكة الأزقة التي تربط عناصر المشروع يوفر تجربة تخاطب الحواس قاطبة؛ إذ تنعم جميعها بظلال وفيرة توفرها منظومة من “البرجولات” والخيام، المزودة بنظام تبريد تبخيري لتهيئة راحة حرارية للمشاة، يكتشفون خلالها تنوع ألوان النباتات والخامات الطبيعية التي تخلق حالة من التشويق البصري. يضاف إلى ذلك الروائح الزكية المنبعثة من أشجار “مسك الليل” ونباتات “اللافندر” العطرية، ووجود مجموعة من “السلسبيل” يصدر عنها صوت خرير المياه المصاحب لتغريد الطيور التي ستجذبها الحدائق المتخللة لفراغات المشروع، لتشكل في مجموعها صورة حية تغمر السائرين بالبهجة والمتعة الروحية.

صممنا “أزقة” تمنح السائرين تجارب حسية متكاملة ومميزة
محمد الرافعي، 25 أكتوبر 2026
#عمارة_صادقة
#ميثاق_الملك_سلمان_العمراني
#المدينةالمنورة
#الهوية_المعمارية
#رؤية_المملكة2023
