لَسْتُ ضِدَّ الحداثة
تأتيني تعليقاتٌ كثيرة من الزملاء، يدور معظمها حول موقفي من “الحداثة”؛ إذ إنَّ أفكاري التي أنشرها عبر مقالاتي والمحاضرات التي ألقيها هنا وهناك، تتمحور في جُلِّها حول القراءة المتأنية لأنساقنا البنائية المتوارثة، واستعادة الثقة في قدرتها على توفير حلولٍ ناجعة لاحتياجاتنا الحالية بصورتها التقليدية أو بعد تطويرها، إلى جانب توظيف خامات وتقنيات البناء المحلية المُحدَّثة في إطار السعي نحو خلق عمارةٍ أطلقتُ عليها مسمى “العمارة الصادقة“.
لقد قلتُ مراراً وتكراراً: إنني أنظر للحداثة كمفهومٍ مَرِنٍ مرتبطٍ بمعايير واضحة مما توصل إليه العلم في وقتنا المعاصر، وليس كمفهومٍ جامدٍ يرتبط بتشكيلٍ محدد أو بخاماتٍ محددة أو أساليب إنشاء بعينها.
أنا لستُ ضد الزجاج، أو الخرسانة المسلحة، أو الإنشاء الهيكلي على العموم، بل ضد أن يصبحوا العنوان الوحيد للحداثة وكل ما دونهم يصبح قديماً أو “غير حديث”، وضد أن يتم استخدامهم في كافة مبانينا مع تجاهلٍ تام لكل الأبعاد الوظيفية والبيئية والاقتصادية. أنا ضد أن يُختزل المفهوم في مجرد شكلٍ “مبهرٍ” أو لامع، أو تكوينٍ كتلي غريب لمجرد لفت الأنظار، أو صناعة ما يُطلق عليه “أيقوني”.
لقد أكدتُ في الكثير مما أكتب على أن العمارة أعمق بكثير من مجرد الشكل الخارجي، أو استخدام خامات أو تقنيات بناء بعينها، ورددتُ في أكثر من مناسبة بأن مصطلح “العمارة الصادقة” الذي أطلقته ليس حكراً على البناء بالحوائط الحاملة أو استخدام التربة، بل هو يتبع منظومة من المعايير الواضحة التي متى ما تمَّت الاستجابة لها وتحققت؛ نتجت لدينا عمارةٌ صادقة ترتبط بجذورٍ قوية في المكان.
دعوني أذكركم بأننا نتحدث عن “فنٍّ ممزوجٍ بالهندسة“، ونتاجه يخضع لمنظومة مركبة من المحددات والقرارات التي يتدخل في اتخاذها أطراف متعددة؛ وبالتالي سيكون هناك دائماً تفاوت نسبي في حكمنا على هذا النتاج، ولا يوجد ما يمكن أن يجتمع عليه الجميع بوصفٍ أو تصنيفٍ واحد، فلكلٍّ نظرته وذائقته الخاصة؛ ولهذا علينا أن نقبل حقيقة “الاختلاف” وتباين الآراء، لذلك ستجدونني دائماً أضع كلمة “سعي” أو “نحو” في عباراتي التي أتحدث فيها عما أحاول الوصول إليه من صِدقٍ في تصاميمي المعمارية.
يسألني الكثيرون: هل تقبل أن تُصمم مشروعاً بالخرسانة والزجاج؟ فتكون إجابتي: بالقطع أقبل، ما دام سيكون متوافقاً مع سياقه وله أسبابه المنطقية؛ فأنا لست من أتباع المدرسة التشكيلية في العمارة، بل أؤمن بالنهج “السببي“ الذي يكون فيه لكل قرارٍ تصميمي معنىً وسببٌ منطقي وجيه، ولا يخضع التشكيل لمجرد الهوى، بل هو نتاج طبيعي لتفاعل مجموعة من المحددات والمعايير المرتبطة بالخامات، ونظام الإنشاء، والتنظيم الفراغي، والإحساس الفني بالكتل والنسب والملامس والألوان… إلخ.
المشروع الذي أضع لكم صوره في هذا المقال هو مثال لإجابتي عن هذا السؤال؛ إذ كان مسابقة دولية – في عام 2011 -لإعادة توظيف بنايتين قائمتين ومتجاورتين في موقع محاط بالغابات وقريب من شاطئ البحر بمدينة Riga في دولة لاتفيا المطلة على بحر البلطيق. الهدف من المشروع هو تحويل هاتين البنايتين إلى فندق أربعة نجوم يتماشى مع الطبيعة من حوله ويعكس ثقافة المجتمع المحلي هناك.

صورة جوية للوضع القائم ويظهر بها علاقة البنايتين في الموقع بالغابات المحيطة والشاطئ
حينما اطلعت على كراسة المسابقة استوقفني كثيراً الوصف الذي وُصِف به موقع المشروع؛ إذ إنه لم يكن وصفاً تقليدياً يذكر الأبعاد أو الطرق المحيطة أو “الكنتور”وحسب، بل كان أيضاً وصفاً حسياً يجسد المشاعر التي تغمر كل من يذهب إلى المكان، فعبر عن ذلك بقوله: “إنَّ الموقع يتمتع بموسيقى تنساب في جنباته بفعل الطبيعة“.
من دراساتنا المستفيضة حول المجتمع في تلك الدولة، ثبت لدينا أن الناس في هذا البلد الصغير الهادئ مولعون بالموسيقى وبكل ما يرتبط بها؛ إذ إن من بين كل عشرة أشخاص من هذا الشعب هناك سبعة على الأقل يمارسون الموسيقى عزفاً أو غناءً أو رقصاً بصورة أو بأخرى، الأمر الذي حفزني لأن أضع فلسفة تصميمي تحت عنوان:
“رقصة مع سيمفونية الطبيعة“

لقد استلهمتُ فيها الأثر المذهل والساحر لسيمفونية الموقع الطبيعية؛ “أصوات تلاطم الأمواج على الشاطئ، حفيف أشجار الصنوبر المعمرة مع الرياح، صرخات طيور النورس في السماء”، جميعها جعلتني أرى أنه لا يوجد في هذا المكان سوى الطبيعة “كموسيقيٍّ“ ومصدر وحيد للإلهام يسترعي الانتباه والإنصات إلى ألحانه الرائعة.
وتخيلتُ أنه بسبب عذوبة هذا العزف المنفرد، قد انجذب كل ما في الموقع للمشاركة في “رقصة” متناغمة؛ فتحول مبنى الفندق نفسه إلى هيئة فتاة يافعة رقيقة، سحرها هذا العزف المهيب فاندفعت لترقص على أنغامه، حتى تماوج فستانها واهتز، وتلاشت تفاصيل جسدها لتذوب وتندمج مع عناصر الطبيعة من حولها. أما مجموعات الأشجار المحيطة بالموقع، فقد استحالت إلى “جوقة” (كورال) تحيط بالفتاة (المبنى) وهي ترتل وتغني أنشودة الطبيعة. وبفضل هذه الأجواء الشاعرية، سيتسلل إلى قلب الزائر شعور غامر بأنه قد أصبح جزءاً من أسطورة مليئة بالألحان، ليجد نفسه مدفوعاً إما للغناء أو الرقص أو العزف، وسوف يتجذر هذا الإحساس في ذاكرته ويبقى مرتبطاً بهذا المكان حتى بعد عودته إلى وطنه.


لقد ركز تصميمي بدقة متناهية على الحفاظ على كافة العناصر الطبيعية المتاحة، وبصفة خاصة مجموعات الأشجار التي لاحظنا تشكُّلها في تكوينات ملهمة ورائعة، مما شجعنا على استغلالها وربطها ضمن مصفوفة تنسيق الموقع العام بأقل تدخل بشري ممكن، وذلك على النحو التالي:
الممر الموسيقي
اقترحنا ربط مجموعات الأشجار القائمة بمسار للمشاة أطلقنا عليه اسم “الممر الموسيقي“؛ فالسائر في هذا الممر سيخوض تجارب موسيقية مثيرة ومميزة منذ نقطة البداية وحتى النهاية، مروراً بالعناصر الطبيعية والصناعية التالية:
منطقة التأمل: تتشكل من مجموعة أشجار في أقصى الزاوية الجنوبية الغربية للموقع، اقترحنا تعزيزها بإضافة بركة مياه صغيرة مع “نافورة راقصة” لخلق أجواء رومانسية وهادئة لعشاق الصمت والتأمل، وتشجيع الموسيقيين المنفردين على الجلوس تحت ظلال الأشجار للعزف والاستمتاع بالإطلالة الخلابة.
ساحة الحفلات (The Concert Plaza): وهي ساحة خصصناها لإقامة الحفلات الخارجية والرقص، تتكون من مدرجات حجرية طبيعية محفورة في الموقع بعمق متر واحد تقريباً، ووضعنا خلف المسرح جداراً منحوتاً مرتفعاً ومنحنياً أطلقنا عليه “برج الموسيقى“؛ إذ يحتوي هذا البرج على توربينات رياح لاستغلال قوة الهواء في توليد الموسيقى عبر آلة موسيقية ضخمة (Orchestrion)، فكلما تحرك الهواء صَدَرَ عزفٌ بلحن مميز من هذا البرج، يسمعه من يتواجدون في تلك الساحة، ويمكنهم أن يرقصوا على أنغامه.
الجوقة الطبيعية (The Natural Chorus): لتأكيد حقيقة أن الطبيعة هي “الموسيقي”، اقترحنا عدداً من النماذج المنحوتة لتوليد الموسيقى بطرق طبيعية مختلفة. هذه المنحوتات تشبه “برج الموسيقى” في الشكل ولكنها أقصر نسبياً، موزعة على طول الممر، وتصدر أصواتاً ذات أنغام رخيمة عبر حركة الهواء من خلال أجراس معلقة بفتحات دائرية في كتلتها، ليستمتع المارة بالإصغاء إليها أو حتى الدندنة معها.
لقد ارتكزت فكرتنا على إعادة تأهيل وتوظيف البنايتين؛ واقترحنا تغطية البناية الجنوبية بـ “غشاء إنشائي متموج ذاتي التحميل “ (Wavy self-loading structural membrane)، يتكون من أعصاب خرسانة زجاجية مضلعة سداسية الشكل وخفيفة الوزن، مع طبقات من الزجاج المزدوج، ليكون بمثابة التعبير البصري عن “فستان الفتاة الراقصة” وفق فلسفتنا، وهذا السطح الغشائي المتموج أتاح لنا فرصة زيادة المساحة المغطاة في الطابق الأرضي لتوفير حيزات داخلية جديدة لاستيعاب الأنشطة والاستخدامات المتنوعة، إضافة إلى أنه شكّل بهواً (Atrium) فخماً للاستقبال، ومنطقة خاصة بالمسبح الداخلي المحاط بجدران زجاجية قابلة للإزالة عند الحاجة في فصل الصيف، لخلق فضاء شبه مفتوح ومظلل يتمتع بتهوية طبيعية.

لقد واجهنا تحديات كبيرة في دمج البنايتين في كتلة واحدة، ولذلك فضلنا تجنب أي “ازدواجية” قد تنتج عن صياغة الكتلتين في تكوين بصري واحد، ولذلك ركز تصميمنا على إبراز التعبير البصري للكتلة الجنوبية فقط -التي تمثل جسد الفتاة الراقصة- لتعزيز دلالة الهيمنة الموسيقية للموقع. وفي المقابل، قمنا بـ “تحييد“ التعبير البصري للكتلة الشمالية عبر تغطيتها بكسوة من الزجاج العاكس (Mirrored glass skin)، لتظهر كمرآة ضخمة تعكس عنصري المشهد: (الطبيعة والفتاة الراقصة)، دون أن يتدخل شكلها المعماري في تفاصيل ذلك المشهد الأسطوري.
لقد تعلمتُ في هذا المشروع كيف يمكنني أن أجعل من الطبيعة شريكاً فعالاً في النتاج البنائي، حينما قصدتُ أن تتكامل مع المبنى وتحتضن جملة المشاعر والأحاسيس التي يُراد أن يعيشها المستخدمون بداخله. وخرجتُ من هذه التجربة التصميمية بمبدأ أرسيته في أعمالي اللاحقة، أنظر فيه للطبيعة ليس كمجرد لوحة نزين بها خلفية مبانينا، بل هي “شريك“ وكيان فاعل وامتداد طبيعي لما نبنيه، وحاضنة ملهمة لما نحرص على أن يعيشه مستخدمي مشروعاتنا من تجارب حسية متفردة.
محمد الرافعي، 2 مايو 2026
