يا عزيزي.. لَسْنَا مَلَائِكَة

 
 

مَنْ منا لا يخطئ؟ أليس الخطأ طبيعةً بشريةً منذ عهد أبينا آدم عليه السلام؟ وفي المقابل، ألا تُعتبرُ مراجعةُ النفس وتصحيحُ البوصلة وإعادةُ صياغة الأفكار المستمدة من الخبرة المكتسبة هي أيضاً سمةً إنسانيةً أودعها الخالقُ -سبحانه وتعالى- فينا لنتدارك أخطاءنا، ونصحح مساراتنا عند امتلاك اليقظة والقدرة على قيادة الذات؟

لقد دارت بذهني هذه الخواطر وأنا أنظر إلى صورة ما آل إليه تنفيذ أحد المشروعات التي صممتُها على طريق الملك فهد بمدينة الرياض.

بدأت قصة المشروع منذ حوالي عشرة أعوام، حينما كنتُ في زيارة موقعٍ لأحد أكبر مشروعاتنا هناك –منتجع أوبير السكني– وتلقيتُ في تلك الزيارة كلمات تهنئة وتقديرٍ كبير من المالك وفريقه الفني على جودة التصاميم والمخططات؛ إذ أدهشهم –بعد مراجعتها مع المقاول– خلوُّها من أية أخطاء فنية، واستيفاؤها لكافة المعلومات والتفاصيل، مما جعل المقاول يقول لي:

 “لولا تشريفك لنا بحضورك اليوم، لما كنا سنراك أو نسمع صوتك؛ ففريقنا لم يجد أية معلومة غائبة تحتاج أن نراجعكم فيها أو نستفسر عنها.

بعد انتهاء اجتماعنا، طلب مني المالك أن نجلس في مكتبه بمقر الشركة الرئيسي، وهناك فوجئت باجتماع آخر يطلب مني فيه أن أتولى مسؤولية تصميم مشروع “برجين” على طريق الملك فهد.

ألقى عليَّ طلبه وهو يبتسم ابتسامةً خفيفةً بعد أن لاحظ تغير ملامح وجهي، فبادرني فوراً بقوله:

أعلم أنك لا تحب تصميم الأبراج، ولكننا نثق بك وفي مكتبكم كثيراً ولا نجد أفضل منكم للقيام بهذا العمل، وأطلب منك مشكوراً ألا ترفض طلبنا هذا قبل أن تفكر فيه ملياً مع فريقك.

غادرتُ مقر الشركة وأنا مَهْمُومٌ وأحمل في داخلي خليطاً مرتبكاً من المشاعر المتضاربة؛ فمن ناحية، لا أستطيع أن أنكر سعادتي بنجاحنا الذي عزز ثقة المالك في مكتبي، وجعله يرى أننا الأجدر بتولي مسؤولية مشروع بهذا الحجم، وهذا بلا شك شعور رائع يسعى كل معماري أن يحظى بمثله، ولكن على الجانب الآخر، كان الطلب ثقيلاً جداً على نفسي؛ لأنه يتعارض مع قناعاتي المهنية الشخصية.

عدتُ إلى القاهرة وأنا أحمل هذا “الهمَّ” على صدري، وكان أول ما قمت به هو الاجتماع مع فريقي التصميمي –كعادتي– لأشاورهم في الأمر بعد أن عبرت لهم عن عدم قبولي للفكرة من حيث المبدأ، وجادلني أعضاء الفريق بأن هذه فرصة لا تتكرر كثيراً؛ لأنها ستكسبنا خبرةً نادرة في تصميم المباني الشاهقة، والتي تتطلب نوعاً ومستوىً مختلفاً من العمل الهندسي والتنسيق الدقيق بين التخصصات المتنوعة والمتداخلة لتقديم مشروع سليم تقنياً بمستوى الجودة الخاص بنا.

الحقيقة أنني لم أقتنع كثيراً بهذا الرأي، وكنت على وشك حسم قراري بالاعتذار عن المشروع، حتى طرح أحد المهندسين رأياً آخر كان هو المَدْخَل الصحيح -وقتها- لإقناعي، حيث قال:

إن اعتذرتَ الآن، فما يدريك لعل المالك يسند المشروع لمكتب آخر يقدم تصميماً تجارياً رديئاً ومبهرجاً؟ فنحن على الأقل يمكننا تقديم منتج مختلف ذي قيمة، ولنعتبر هذا هو التحدي؛ لعلنا نغير الاتجاه السائد في تصميم هذه المباني ونقدم نموذجاً أكثر توافقاً معمارياً وصحةً هندسياً.

كان وقع هذا الرأي عليَّ كوقع تبرير “الخضر” لنبي الله موسى -عليه السلام- فيما عجز عن قبوله منطقياً؛ فبدأتُ أقتنع بأن تولينا المسؤولية قد يحمي المجتمع من “مبنى قبيح” يفسد المشهد الحضري ويستنزف البيئة، ولكن الحقيقة التي غابت عني وقتها أن هذا الشاب لم يكن “الخضر”، وبالتأكيد أنا لست “موسى”؛ فلا نملك وحياً من السماء، ولا نعلم ما يخبئه لنا المستقبل.

هذا المنطق “التبريري” لمخالفة المبدأ والقناعات الشخصية، هو بمثابة الفخ الذي يستدرجنا دون أن ندري بأننا نسير في الإتجاه المعارض لدورنا كأمناء على عمران المدينة الذي يحتضن حياة ساكنيها.

لقد خضنا تجربة مهنية ثرية حقاً بالخبرات العديدة، على مدار سنتين حتى اكتملت التصاميم وسلمنا المخططات التنفيذية المتكاملة للمشروع، واجتهدتُ قدر استطاعتي لتقديم أفكار مبتكرة، وكان لدي حرص شديد على تجنب الواجهات الزجاجية العملاقة المكشوفة، فجعلتُ الواجهتين الجنوبية والغربية “مُصْمَتَتَيْنِ” تقريباً بفتحات قليلة محسوبة، ووضعتُ على الواجهتين الشرقية والشمالية شبكةً ستائرية Screen ذات تشكيل هندسي مميز مصنوعة من البوليمر المسلح بالألياف الزجاجية  (FRP)  ومغطاة بطبقة  (Gel-coat) للحماية من الأشعة الفوق بنفسجية.

استهلك تصميم هذه الشبكة المعقدة ودراسة تفاصيلها وقتاً وجهداً كبيرين حتى وصلنا لأنسب الحلول العملية والاقتصادية، بل وتعاونا مع شركة كورية لضمان تحقيق المعايير المطلوبة كي نتحقق من إمكانية تنفيذها بسهولة في الموقع.

لقطة ليلية للتصميم الأصلي

كانت تنقصني وقتها خبرة التجارب التي مررتُ بها لاحقاً؛ حين شاهدتُ مشروعات كثيرة تُنفذ بعيداً عن أعين مصمميها، ويُجرى عليها تعديلات تشوهها، ولم أدرك أن هذه الطبقة الستائرية قد لا يدرك القائمون على المشروع قيمتها التصميمية وتأثيرها ليس فقط على التعبير البصري للواجة بل الأهم هو التأثير الحراري على المبنى، وربما قد يتخذون قراراً – غير مدروس بعناية – بإزالتها.

من عادتي الدائمة أنني لا أترك مشروعاً صممتُه أبداً، بل يظل ارتباطي به كأحد أبنائي، فأنتهز الفرص لأمرَّ بجوار الموقع وأتابع التنفيذ حتى لو لم يُسند إليَّ مهمة الإشراف عليه؛ ففي النهاية هذا “ابني” الذي سيحمل اسمي.

في إحدى الزيارات، رأيتُ لافتةً على ما بُني من البرج الجنوبي تحمل اسم مكتب هندسي معروف في الرياض، وفهمتُ أن المالك أسند إليهم مهمة الإشراف على التنفيذ، وشعرتُ بالارتياح بأن تم وضع تصاميمي بين “أيدٍ أمينة” تتابع المشروع وتشرف على تنفيذه بدقة، وفق المخططات التي أنجزناها، إلا أنني لمحتُ كلمة تطوير  بجوار عبارة إشراف على التنفيذ!  فتساءلتُ في حيرة: ما الذي سيطورونه وقد قدمنا تصاميم كاملة ورخصة مطابقة تماماً لمخططات التنفيذ؟!

لم تمضِ شهور قليلة حتى كُشِفَ الأمر، إذ استُبدلت اللافتة بلوحة كبيرة – لنفس المكتب – بها “منظور” يحمل واجهة مختلفة تماماً للبرجين عما كنت قد صممته، وكُتب عليها بالبنط العريض:

 تصميم وإشراف على التنفيذ.

لا أخفيكم أنني شعرتُ بالصدمة من هذا “الانقضاض” على تصميمي؛ خاصة وأنني تبينتُ من خلال تجولي في الموقع أن كل ما بُني كان وفق مخططاتنا التنفيذية، والفارق الوحيد هو حذف “الشبكة الستائرية” الجميلة التي وضعناها لحماية الواجهات من الحمل الحراري واستبدالها بخطوط من الألومنيوم -السخيفة من وجهة نظري- وإكساء كتلتي البرجين بالكامل بالزجاج بما فيها المسطحات المصمتة التي لا توجد بها اية احتياج للنوافذ، وبالأخص الواجهة الجنوبية، والتي تحتوي على مساحات هائلة من الحوائط الخرسانية المصمتة والتي بهذه الكيفية ستتحول إلى مخزن هائل للطاقة الحرارية !!!

حين عدتُ إلى الفندق خيّم عليَّ حزن شديد، فقد شُوّهت الواجهة وتحولت إلى “فرن حراري”،…… وصدر صوتٌ من داخلي يقول لي:

لقد كان خطؤك منذ البداية حين قبلت تصميم مشروع يخالف مبادئك التي تؤمن بها، وكنت حسن النية بأن التنفيذ سيطابق التصميم، وهذا نادر حدوثه في الواقع إن لم تكن أنت من يشرف عليه ، ولا تحزن لأن هناك من نسب تصميمك لنفسه، فسامحه ولا تحنق عليه.

استوعبتُ الدرس جيداً، حتى إنني لاحقاً اعتذرتُ عن ثلاثة عروض لتصميم أبراج سكنية؛ لأنني أؤمن بأننا كبشر لا يجب أن تُسحق إنسانيتنا في مثل هذه “العبوات الصناعية الرأسية”، التي تفصلنا عن الحياة الحقيقة، وتحرمنا من التفاعل الاجتماعي مع أقراننا، وتكرس النزعة الفردانية والعزلة، وتشوه إحساسينا بالإنتماء للمكان، والأبراج السكنية على االتحديد أراها تفرض تناقضاَ شديداً في بلادنا العربية على المستويات البيئية والثقافية والاجتماعية، بل والاقتصادية أيضاً، وهذا رأيي وقناعاتي الشخصية التي لا أفرضها على أحد.

الآن وبعد أن اكتمل البناء وظهر المشروع ليطل علينا بواجهته الزجاجية هذه، عاد إلي الصوت الداخلي مرة أخرى ليذكرني بأن أحمد ربي على هذا الدرس الذي علمتني إياه الحياة، وأن لا أعنف نفسي كثيراً، فالخطأ هو من طبيعتنا كبشر في هذه الدنيا، وفي النهاية نحن يا عزيزي لسنا بملائكة.

 

محمد الرافعي، 23 أبريل 2026

 

Leave A Comment

Related posts

Browse All

خواطر ورؤى معمارية

  …خواطر ورؤى معمارية     هذه باقة من أفكاري وخواطري جمعتها هنا علها تُبدد حيرة أو تُهدي فكرة أو تنير ظُلمة أو تُرشد لطريق، ولا أريد أن يُظّن من قرائتها أنني وحدي من يمتلك الحقيقة وغيري تائه في الضلال؟ فما أطرحه هنا هو محض اجتهادات فكرية ورؤى خاصة بي…

الصدق في العمارة

  الصدق في العمارة كلما شاركت بنشر أحد المشروعات التي أقوم بتصميمها مع فريقي التصميمي، في إطار محاولاتنا المستمرة لتحقيق مفهوم “العمارة الصادقة” الذي كنت قد طرحته منذ أكثر من ثلاث سنوات، ترد الي أسئلة كثيرة حول ماهية المفهوم؟ ومعاييره، والبعض يسأل عن احتمالية وجود عمارة “كاذبة” أو غير صادقة…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (1)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الأول – هويتنا   يكثُر الحديث من آن لآخر حول “الهوية” وتفسيرها من منظور العمارة والعمران، ويصاحب ذلك العديد من الأسئلة التي يطرحها البعض من قبيل : هل الهوية هي مجرد مفردات تشكيل تظهر فقط على الواجهات الخارجية؛ كاستخدام زخارف…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (2)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الثاني – الروشان   في المقال السابق تحدثت عن الهوية، وأهميتها العظيمة في حياتنا كمجتمعات، وأوضحت لكم أنني لن أتناول انعكاساتها على العمارة والعمران من منظور نظري، بل سوف أستعرض استيعابنا لها من خلال ممارستنا المهنية عبر تصاميم خضناها، أونعمل…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (3)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الثالث – الحوش   استكمالًا لما بدأته في المقالين السابقين حول “الهوية من منظور معماري وعمراني“، حيث تناولت بالتفصيل في المقال السابق أحد الأنساق التقليدية التي قمنا ببحثها وتطويرها وتطبيقها في أحد مشروعاتنا، وهو “الروشان”، وأوضحت وجهة نظري في ارتباطه…

البغبغاء المعماري

  البغبغاء المعماري   هل إذا كان هناك ببغاء له قدرة فائقة على محاكاة أصواتنا، ويدير حوارًا معنا عن طريق تركيب وترديد كلمات حفظها عن ظهر قلب بدقة متناهية تبعث على الدهشة وتثير الإعجاب، هل يمكننا أن نطلق عليه إنسانًا؟ هل يعي هذا الببغاء المعاني التي تكمن خلف كلماته؟ هل…
Browse All

Adeem Consultants is a full-service design studio providing architectural consultations.

Contact Info

Phone – Egypt    : +2 02 235 23 102

 Mobile – Egypt    : +2 010 01 587 791

 Mobile – KSA      : +966 508 094 594

 Mobile – Turkey : +90 535 853 40 68

  Email : Info@adeemconsult.com

Office Address

6 Sabel El-Moamenen St.,

Al-Sefarat district, Nasr City,

Cairo, Egypt.

Post code 11471, EGYPT

UP