عمارة الزواج
قد يبدو العنوانُ صادماً للبعض؛ فما علاقة العِمارة بالزواج؟ الحقيقةُ أنه لا توجدُ علاقةٌ مباشرة بالفعل، ولكن قد يصلحُ فهمنا للعمارة في وضعِ “قياسٍ” نكتسبُ من خلاله رؤيةً جديدة للزواج وبناء الأسرة الناجحة.
لقد مرّت بي هذه الخاطرةُ وأنا أتابعُ مقطعاً مرئياً يتحدثُ فيه أحدُ استشاريي الأسرة عن نظرة الشباب للزواج، ولفت انتباهي أن الكثيرين يضعون “الحب” والعواطفَ دافعاً رئيسياً للإقدام على تلك الخطوة المصيرية. وكعادتي في الميل إلى رؤية الواقع بعيداً عن الصور النمطية المقولبة، طرحتُ على نفسي سؤالاً جوهرياً: هل حقاً يُبنى الزواجُ على “الحب” وحده كدعامةٍ أساسيةٍ تتلاشى دونها أسبابُ بقاء العلاقة؟ وما الدور الحقيقي الذي يمكن أن يلعبه الحب دون تهويلٍ أو تهوين؟
بدأتُ أفكر في الموضوع من منظوري كمعماريٍّ يسعى لصياغة تصوّره الخاص عن تلك المنظومة الاجتماعية المقدسة، فخطر ببالي أن أصنعَ قياساً من عالم البناء الذي نعيشه، وأتصور الزواج كبناءٍ يحتاج للعناصر التالية:
1- الدِّينُ والأخلاق (الأساسات والقواعد)
كأيِّ بناءٍ يحتاج في البداية إلى أساساتٍ متينة تكفلُ له الثبات، أتصورُ أن أي زواجٍ يجب أن يرتكز على خمسِ قواعدَ أساسية: (الصدق، الرحمة، الثقة، الاحترام، الإخلاص).
هذه القواعدُ لا يمكن لأي علاقةٍ أن تستقيمَ بدونها، وغيابُ أحدها قد يتسببُ في اقتلاع البناء من جذوره أو انهياره. والجميلُ أن جميعها قواعدُ أخلاقية، وحين ننظر للأخلاق كونها ثمرة الدِّين العظمى، تصبح هذه القواعدُ تجسيداً للنهج النبوي الذي يوصي الرجلَ بـ “الظفر بذات الدِّين”، ويوصي وليَّ الأمر بأن يُزوِّج موليته لمن “يرضى دينَه وخُلقَه”.
والحقيقةُ أنه لا دِينَ مع سوءِ خُلقٍ؛ فالعباداتُ التي لا ينعكسُ أثرُها على السلوك تخلُقُ صورةً مشوهةً من التديُّنِ المُفرغِ من معناه. هذه الأساساتُ يجب أن تُغرس في تُربةٍ قوامُها “مخافة الله”، فهي الحارسُ الأمينُ على الضمير، والضمانةُ التي تحولُ بين المرء وظلم شريك حياته حتى وإن لم يُحبَّه؛ فالقوانينُ الوضعيةُ مهما بلغت دقتها تظلُّ عاجزةً عن أن تحلَّ محلَّ الضمير الحَيّ.
2- الطِّباعُ والميول (الهيكل الإنشائي)
بعد التأكد من سلامة التربة ومتانة الأساسات، يأتي دورُ “الهيكل”. ومن وجهة نظري، تلعبُ الطباعُ والميولُ الشخصية دوراً محورياً في صُنع هذا الهيكل. أتصورُ أن كلَّ نقطةِ اتفاقٍ بين الزوجين في طبعٍ ما أو أسلوب تفكيرٍ، تمثّلُ “عموداً” يوضع ويضاف في هذا الهيكل؛ فكلما زادت مساحاتُ التوافق، كثرت الأعمدةُ وزادت قوة البناء.
وعلى النقيض، فإن كلَّ اختلافٍ بينهما يتحولُ إلى “حِمْلٍ” إضافيٍّ يتحمله سقفُ هذا البناء. لذلك، فإن مرحلة التعارف قبل الزواج هدفُها الأساسي هو تبيانُ مقدار التوافق في الرؤى والميول بين الطرفين، لضمان علاقةٍ صلبة تصمدُ أمام أنواء الحياة وتقلباتها.
3- العلاقة الزوجية (الكمرات/ الجسور)
نعلمُ يقيناً أن أيَّ هيكلٍ إنشائي يحتاج إلى “الكمرات” لربط الأعمدة ببعضها ونقل أحمال السقف إليها، وهي لا غنى عنها لاستقرار المَنشأ. والكمراتُ في حالتنا هذه هي “العلاقة الزوجية الخاصة” التي تمنح الطرفين العِفّةَ التي هي هدفٌ أصيلٌ من أهداف الزواج، ومعيارٌ جوهري لـ “السَّكَن” الذي أشارت إليه الآية الكريمة. والكمراتُ تقع في موضعٍ متوسطٍ بين الأعمدة والسقف، إذ هي تُؤثِّر وتتأثَّر بكليهما.
4- الحب والمودة (الغلاف والزينة)
الحبُّ الحقيقي في نظري هو شعورٌ عاطفيٌّ ممزوجٌ بعقلانيةٍ مرتبطةٍ بالتطبيق الواقعي؛ فتحمُّل المسؤولية عن سعادة وراحة الشريك هي أسمى صور الحب، أما الحبُّ الخالي من “الفعل” و”المسؤولية” فهو مجردُ نزواتٍ عابرة لا تصلح لإقامة حياة. والحبُّ في تصوري يلعب دورين:
• الحبُّ الممزوجُ بالودِّ: يكون كالسقف والحوائط الخارجية التي توفر “الدفء” والاحتواء والسكينة، وهو الذي يتحملُ أعباءَ اختلاف الطباع بين الطرفين.
• الحبُّ المشحونُ بالعواطف: يكون كـ “الديكور” الذي يمنحُ البناءَ جمالاً وبهجة، لكنه في المقابل مجرد طبقة رقيقة تحتاجُ للصيانة والترميم المستمر، ولا يمكن تحميله ما لا يطيق، أو التعويل عليه وحده للصمود أمام العواصف. وصحيحٌ أن الحياة بدونه تصبح كئيبة، لكن غيابه لا يحولُ دون استمرارها، كما نرى في ظاهرة “البيوت الصامتة”.
أعلمُ أن رؤيتي هذه قد يراها البعضُ تفتقرُ إلى الرومانسية، وأنا أتفقُ معهم، ولكني أرى أن الزواج في حقيقته هو قرارٌ عقلانيٌّ يوافقُ عليه القلبُ، ولا يصحُّ أبداً أن يكون قراراً عاطفياً يُجبرُ العقلَ على قبوله.
محمد الرافعي، 7 فبراير 2026
