أَمَا آنَ الأَوَانُ…..؟

 
 

مِن كُنوزِنا العَرَبيَّةِ حِكمةٌ بَليغةٌ تقولُ: “السَّعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِه، والشَّقيُّ مَنْ وُعِظَ بنَفْسِه”؛ وفي خِضَمِّ ما يَشهَدُه عالَمُنا اليومَ مِن حروبٍ وأزماتٍ طاحنةٍ، نَبدو في أَمسِّ الحاجةِ لتدبُّرِ هذهِ الحكمةِ العظيمةِ. فحينما أتأمَّلُ ما أَلَمَّ بنا وبكوكبِنا مِن نوازِلَ خلالَ الأعوامِ الستَّةِ الماضيةِ، تستوقفُني حادثتانِ فارقتانِ صاغَتا وَجهاً جديداً للعالَمِ، وجعلَتا ما قبلَهما يختلفُ تماماً عمَّا بعدَهما.

تَمثَّلَت أولاهُما فيما قاسيناهُ إبَّانَ جائحةِ “كورونا”، حينَ رأينا كيفَ تعطَّلَت سلاسلُ الإمدادِ والتوريدِ، وأُغلِقَت الحدودُ، وانكفأت كلُّ دولةٍ على ذاتِها تحصُّناً بمواردِها المحدودةِ؛ فشَهِدنا آنذاك انهيارَ أسطورةِ “العولمةِ” التي هيمَنَت على التجارةِ العالميَّةِ لعقودٍ، وبرزَت القدراتُ المحليَّةُ والاكتفاءُ الذاتيُّ كأطواقِ نجاةٍ وحيدةٍ تَقِي المجتمعاتِ مَغبَّةَ الاندثارِ أمامَ جائحةٍ اجتاحتِ المعمورةَ.

وبينما لم يكدِ العالَمُ يتعافى مِن آثارِ تِلكَ الجائحةِ، حتَّى أصابتنا الحادثةُ الثانيةُ حينما اندلَعَ صِراعٌ دَمويٌّ في منطقتِنا العربيَّةِ، فَشُلَّت حركةُ التجارةِ مُجدداً وتقلَّصَت إمداداتُ النفطِ والغازِ، ليغرقَ العالَمُ في أزمةِ طاقةٍ خانقةٍ استدعت تدابيرَ صارمةً، وبدأت تتداعى إلى مُخيِّلتِنا كوابيسُ العودةِ لحياةِ القرونِ الوسطى، حيثُ تَشِحُّ الطاقةُ التي كانت تُحرِّكُ مفاصلَ “الحداثةِ” التي نعيشُها، لنكتشفَ فجأةً مَدى هشاشتِها وزيِفِها. فقد أُجبِرنا على اتخاذِ تدابيرَ صارمةٍ، وعايَشنا حالةً مِن التقشُّفِ الطاقويِّ لم نكن نتخيَّلُ أن نضطرَّ إليها في أسوأِ السيناريوهاتِ حينما شاهدنا ما أُسمِّيهِ “ظاهرةَ المدنِ المظلمةِ”؛ حينما أُطفِئَت الأضواءُ لتوفيرِ الكهرباءِ، وغرقَ عُمرانُنا في بحورٍ مِن الظلامِ.

وباتَ الجميعُ يَلهَجُ بالدعاءِ أن ينتهيَ هذا الصراعُ قبلَ أن يُدرِكَنا الصيفُ بحرارتِه الملتهبةِ والتي تَعجَزُ مبانينا عن صَدِّ موجاتِه اللافحةِ، فتُحيلَ بيوتَنا إلى صناديقَ مِن “الأفرانِ” الأَسمنتِيَّةِ. وهنا يبرزُ السؤالُ المحوريُّ الذي تحتاجُ الإجابةُ عليهِ وقفةً صادقةً معَ النفسِ: “هل ما نَصوغُه في عِمارتِنا وعُمرانِنا هو حقاً يمتثلُ لمفهومٍ صحيحٍ عنِ الحداثةِ؟” ألم نَكتَفِ بكلِّ الشواهدِ والبراهينِ التي مَثَلَت أمامَنا عبرَ ما عايشناهُ في هاتينِ الحادثتينِ لنتأكَّدَ أنَّنا كنا نسيرُ في اتجاهٍ خاطئٍ، وأنَّ علينا حتماً أن نُعيدَ التفكيرَ في الأُسُسِ التي بَنَينا عليها عُمرانَنا المعتمدَ على الكثيرِ مِن المواردِ المستوردةِ والمُستنزِفَ للطاقةِ الكهربائيَّةِ، إذ يَستحوذُ وحدَه على 43.3% مِن مُجملِ استهلاكِها وسطَ عُمومِ القطاعاتِ؟

لقد خُضتُ رحلةَ كفاحٍ طويلةً عبرَ ما يزيدُ عن ثلاثةِ عقودٍ – ولا أزالُ – لمحاولةِ أن أستكملَ الطريقَ الذي بدأَه أستاذُنا العبقريُّ حَسَن فَتْحي (رَحِمَه اللهُ)، وأن أضعَ منظومةً مرادفةً للعمارةِ التي تتبنَّى القدراتِ والمواردَ المحليَّةَ ولا تَلْفِظُها، وتضعُ ترشيدَ استهلاكِ الطاقةِ ضِمنَ أولى أولويَّاتِها. لقد حاولتُ وسعيتُ ولا أزالُ أن تُتاحَ الفرصةُ لهذهِ العمارةِ أن تصبحَ “رديفاً” وليسَ بديلاً للتيارِ السائدِ.

أكثرُ مِن ثلاثةِ عقودٍ وأنا أطرقُ كلَّ الأبوابِ، وأسعى في كافةِ المساراتِ؛ فأُجري بحوثاً، وأُقيمُ ورشَ عملٍ، وأُنشئُ شركةً لتصنيعِ الماكيناتِ، وأُلقي مُحاضراتٍ، وأُقدِّمُ دِراساتٍ، وأُصمِّمُ مشروعاتٍ، وأُؤلِّفُ كُتابٍ، وأَنشُرُ مقالاتٍ، لمجرَّدِ أن أصنعَ فرصةً جادَّةً لنبنيَ عمارةً ترتبطُ بنا، وتَرأفُ ببيئتِنا، وتحتضنُ إنسانيَّتَنا، وتُغنينا عنِ الحاجةِ للغيرِ، وتُعبِّرُ عن جوهرِ هويَّتِنا، وتصلحُ لأن تكونَ إرثاً لأجيالِنا، وتصِلَ ما انقطعَ مِن أواصرَ تربطُنا بجذورِنا.

أكثرُ مِن ثلاثةِ عقودٍ لا أبحثُ فيها عن مجدٍ شخصيٍّ، أو لقبٍ شرفيٍّ، أو تقديرٍ أدبيٍّ؛ فلقد وضعتُ كلَّ ما حصدتُه مِن خبرةٍ خلالَها بينَ ضَفَّتَي كِتابي وفي سطورِ مقالاتي وأتَحتُهما للجميعِ كي تأتيَ “الفرصةُ”؛ ليس لي، بل لأيِّ أحدٍ يريدُ أن يسيرَ في ذاتِ الطريقِ علَّه يجدُ مَن يُجيبُه على طَرقِ بابِه.

دَعكُم مِن “الرافعيِّ”، ليسَ شرطاً أن يحصلَ على تلكَ الفرصةِ، ولكنِ امنحوها لِمَن يسلكُ هذا الطريقَ مِن الشبابِ ولا تسدُّوا الأبوابَ أمامَهم، افسحوا لهمُ المجالَ كي يُفيدوا مجتمعاتِهم، ويبنوا عُمراناً صادقاً يخلقُ تنميةً حقيقيَّةً ويَقِينا شرَّ الكوارثِ والأزماتِ إذ يكونُ مِنَّا وإلينا وبيدِنا.

امنحوا الفرصةَ لإحداثِ تغييرٍ حقيقيٍّ في المنظومةِ التي تُنتجُ العمارةَ في بلادِنا؛ حيثُ يكونُ التغييرُ واجباً في مناهجِنا، وقوانينِنا، والأكوادِ التي تحكمُنا، وثقافةِ البناءِ لدى مجتمعاتِنا. وكلُّ ذلكَ لا يجبُ أن يكونَ فجائيَّاً بل يكفي أن تُوضَعَ لهُ خطَّةٌ استراتيجيَّةٌ واضحةٌ تُنفَّذُ على مراحلَ. وَفِّروا لهذا التغييرِ الإرادةَ والعزيمةَ الصادقةَ، ولا تنتظروا أن تأتيَ بهِ الرياحُ مِن القِسمِ الغربيِّ في كوكبِنا، بل اجعلوا الغربَ هو مَن يقفُ مَشدوهاً لصنيعِنا وإنجازِنا.

لا أقولُ أن نصنعَ ثورةً على طُرقِ البناءِ الحاليَّةِ، ولا أقولُ أن نمنعَ استخدامَ الخاماتِ الرأسماليَّةِ أوِ المستوردةِ، ولا أقولُ أن نتوقَّفَ عن تشييدِ المباني “الحديثةِ” داخلَ مُدُنِنا؛ بل فقط أقولُ: لا تُكرِّروا أخطاءَ الماضي مرَّةً أُخرى، ولا تجعلوا المبانيَ الزجاجيَّةَ الشاهقةَ تقفُ في تحدٍّ أمامَ طبيعةِ صحارينا، ولا تجعلوا الخرسانةَ هي الخامةَ “السِّحريَّةَ” التي يُبنى بها كلُّ شيءٍ وفي كلِّ مكانٍ، ولا تَنَساقوا وراءَ خُططِ الإنتاجِ الكمِّيِّ للبناءِ والتي تُحيلُه إلى مجرَّدِ نتاجٍ “صناعيٍّ”، ولا تستهينوا بتأثيراتِ العُمرانِ على الناسِ في صحَّتِهم وسلوكِهم، ولا تُهمِّشوا قُدراتِهم في صُنعِ بيئاتٍ عُمرانيَّةٍ صحيحةٍ تناسبُهم إن قُمتُم فقط بتمكينِهم مِن الأخذِ بالنهجِ الصحيحِ في هذا الطريقِ.

في الواقعِ إنَّنا قد تأخَّرنا في السيرِ على هذا الطريقِ لعقودٍ طويلةٍ، حينما صمَّمنا أن لا نُنصِتَ لأصواتِ الحكمةِ التي ورثناها عن أجدادِنا في كنوزِهم المبنيَّةِ، ولكن لا يهمُّ إن تأخَّرنا ما دُمنا عقدنا العزمَ على السيرِ فيه الآنَ.. أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ آنَ الأَوَانُ؟

 

محمد الرافعي، 9 مايو 2026

 

Leave A Comment

Related posts

Browse All

خواطر ورؤى معمارية

  …خواطر ورؤى معمارية   هذه باقة من أفكاري وخواطري جمعتها هنا علها تُبدد حيرة أو تُهدي فكرة أو تنير ظُلمة أو تُرشد لطريق، ولا أريد أن يُظّن من قرائتها أنني وحدي من يمتلك الحقيقة وغيري تائه في الضلال؟ فما أطرحه هنا هو محض اجتهادات فكرية ورؤى خاصة بي غير…

الصدق في العمارة

  الصدق في العمارة كلما شاركت بنشر أحد المشروعات التي أقوم بتصميمها مع فريقي التصميمي، في إطار محاولاتنا المستمرة لتحقيق مفهوم “العمارة الصادقة” الذي كنت قد طرحته منذ أكثر من ثلاث سنوات، ترد الي أسئلة كثيرة حول ماهية المفهوم؟ ومعاييره، والبعض يسأل عن احتمالية وجود عمارة “كاذبة” أو غير صادقة…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (1)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الأول – هويتنا   يكثُر الحديث من آن لآخر حول “الهوية” وتفسيرها من منظور العمارة والعمران، ويصاحب ذلك العديد من الأسئلة التي يطرحها البعض من قبيل : هل الهوية هي مجرد مفردات تشكيل تظهر فقط على الواجهات الخارجية؛ كاستخدام زخارف…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (2)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الثاني – الروشان   في المقال السابق تحدثت عن الهوية، وأهميتها العظيمة في حياتنا كمجتمعات، وأوضحت لكم أنني لن أتناول انعكاساتها على العمارة والعمران من منظور نظري، بل سوف أستعرض استيعابنا لها من خلال ممارستنا المهنية عبر تصاميم خضناها، أونعمل…

هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد. (3)

  هويتنا وأنساقنا البنائية التقليدية، عودة للحياة من جديد المقال الثالث – الحوش   استكمالًا لما بدأته في المقالين السابقين حول “الهوية من منظور معماري وعمراني“، حيث تناولت بالتفصيل في المقال السابق أحد الأنساق التقليدية التي قمنا ببحثها وتطويرها وتطبيقها في أحد مشروعاتنا، وهو “الروشان”، وأوضحت وجهة نظري في ارتباطه…
Browse All

Adeem Consultants is a full-service design studio providing architectural consultations.

Contact Info

Phone – Egypt    : +2 02 235 23 102

 Mobile – Egypt    : +2 010 01 587 791

 Mobile – KSA      : +966 508 094 594

 Mobile – Turkey : +90 535 853 40 68

  Email : Info@adeemconsult.com

Office Address

6 Sabel El-Moamenen St.,

Al-Sefarat district, Nasr City,

Cairo, Egypt.

Post code 11471, EGYPT

UP